الشنقيطي
260
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أمر تعالى الناس في هذه الآية الكريمة أن يعلموا أن أموالهم وأولادهم فتنة يختبرون بها ، هل يكون المال والولد سببا للوقوع فيما لا يرضى اللّه ؟ وزاد في مواضع آخر أن الأزواج فتنة أيضا ، كالمال والولد ، فأمر الانسان بالحذر منهم أن يوقعوه فيما لا يرضى اللّه . ثم أمره إن اطلع على ما يكره من أولئك الأعداء الذين هم أقرب الناس له ، وأخصهم به ، وهم الأولاد ، والأزواج أن يعفو عنهم ، ويصفح ولا يؤاخذهم ، فيحذر منهم أولا ، ويصفح عنهم إن وقع منهم بعض الشيء ، وذلك في قوله في التغابن : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 14 ) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 15 ) [ التغابن : 14 - 15 ] . وصرح في موضع آخر بنهي المؤمنين عن أن تلهيهم الأموال والأولاد عن ذكره جل وعلا ، وأن من وقع في ذلك فهو الخاسر المغبون في حظوظه ، وهو قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 9 ) [ المنافقون : 9 ] ، والمراد بالفتنة في الآيات : الاختبار والابتلاء ، وهو أحد معاني الفتنة في القرآن . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 29 ) [ 29 ] . قال ابن عباس ، والسدّي ، ومجاهد وعكرمة ، والضحاك وقتادة ، ومقاتل بن حيان ، وغير واحد : فرقانا مخرجا ، زاد مجاهد في الدنيا والآخرة ، وفي رواية عن ابن عباس فرقانا : نجاة ، وفي رواية عنه : نصرا . وقال محمد بن إسحاق : فرقانا ، أي فصلا بين الحق والباطل ، قاله ابن كثير . قال مقيده : - عفا اللّه عنه - قول الجماعة المذكورة إن المراد بالفرقان المخرج يشهد له قوله تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) [ الطلاق : 2 ] الآية والقول بأنه النجاة أو النصر ، راجع في المعنى إلى هذا ، لأن من جعل اللّه له مخرجا أنجاه ونصره ، لكن الذي يدل القرآن واللغة على صحته في تفسير الآية المذكورة هي قول ابن إسحاق ، لأن الفرقان مصدر زيدت فيه الألف والنون ، وأريد به الوصف أي الفارق بين الحق والباطل ، وذلك هو معناه في قوله : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ [ الفرقان : 1 ] ، أي الكتاب الفارق بين الحق والباطل ، وقوله : وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ [ آل عمران : 4 ] ، وقوله : وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ [ البقرة : 53 ] ، وقوله : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ [ الأنبياء : 48 ] ، ويدل على أن المراد بالفرقان هنا : العلم الفارق بين الحق والباطل . قوله تعالى في الحديد : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [ الحديد : 28 ] الآية .